نفرح بأسئلتكم وإقتراحاتكم على بريد الموقع
info@tibarthenos.net

نور الرجاء

الراهب سارافيم البرموسي

ا

1

 

1

إن دور الروح القدس فى التوبة هو أنه يبدأ فى إرسال إشارات لذلك الإنسان الذى يحاول الشيطان أن يخفى عنه حقيقة الرجاء. وتلك الإشارات قد تتخذ أشكالاً و انماطاً متعددة. و لكنك دائماَ ستجدها تردد فى داخل قلبك تلك الكلمات:

أنت محبوب منذ الأزل.. أنت ثمين بقيمة الدم الذى سفك من أجلك.. أنت ابن للنور..

أنت وليد القيامة.. أنت مخلوق للأبدية.. أنت الصورة البهية لله على الأرض.

أنهض متمسكاَ بالرجاء فى الرب، انحن أمام روح الحق، اقبل مشورته من أجل التوبة، تواضع تحت يد الرب، حتى تحملك يداه وتمسكك يمينه الممجدة بالقوة.

وهكذا تجد النفس أن أشعة الرجاء تعود مرة أخرى بعد الادعاءات الكاذبة التى كان يخفى بها الشيطان، عن النفس، حقيقة الرجاء، تلك الحقيقة القادرة أن تذيب قيود الخطيئة كما تذيب الشمس ذرات الجليد المتجمدة على أطراف أوراق الشجر، وقت الشروق. ويبدأ الروح القدس ينعش ذاكرة الإنسان الروحية، من خلال الخبرات التى دونها التاريخ المسيحى عن خطاة تحرروا من قبور الشهوة و انطلقوا فى مراعى الروح نحو شمس الحياة السرمدى.

فمن ذا الذى طرق أبواب مراحم إلهنا الحنون، وتركه خارجاَ يعانى من الخوف والوحدة.. من ذا الذى تضرع فلم يجد أجناد من نور يحشدها الرب ليدافع بها عن تلك النفس الواحدة التى لا يعبأ بها أحد..

من ذا الذى تحرك فى قلبه الشوق و الحنين إلى الله، ولم يبادله الله الشوق اضعافاَ مضاعفة.. من ذا الذى رفع جرحه الدامى -الذى انجرح به فى معركة الحياة- إلى العلاء يترجى الطبيب الأعظم، و لم يجد شمس البر يحمل له الشفاء على جناحيه (ملا4: 2) .. من ذا الذى أطلق صراخه إلى السماء " يا رب إلى من نذهب، كلام الحياة الأبدية عندك؟" (يو6: 68) و لم يجد مسكن الرب معداَ ووليمة الرب مهيأة و كلمات الحياة سابحة إليه، لتستقر على قلبه..

من ذا الذى عاد من كورة الخنازير بعد أن بدد ميراثه، إلا ويجد وجه الآب يلاقيه بلهفة الشوق على قارعة الطريق، ليأخد بيده ويجلسه على مائدة الغفران ويعيد إليه خاتم البنوة.. من ذا الذى لمس هدب ثوب الرب، ولم تسر فيه قوة لطرد النجاسات إلى الخارج.. من ذا الذى أنطرح على أقدام الرب، وهو مُدان من العالم ومجروح من الجميع، إلا ويجد الرب يدافع عنه ويُبكت دائنيه، بل ويطلقه بغفران وسلام وقوة ومعونة.. من ذا الذى يتفكر فى هول الخطيئة، ويتناسى أن هناك بحر النسيان الإلهى حيث تُطرح الخطايا و الآثام ولا تعود مرة أخرى، لأن الرب قد سُر بطرحها.. من ذا الذى يتخبط فى عماه الروحى، إلا ويجد يدي الرب تخلق له بصيرة جديدة، فيبصر بالإيمان ما لم يبصره يوماَ بالعيان..

حقاَ من ذا الذى يحب الرب أكثر مما يحبه الرب.

إن الكنيسة قد رصدت لنا نماذج لخطاه كانوا قد احترفوا الخطيئة، ولكنهم بالرجاء والثقة فى الرب والاستسلام الكامل لمشورة الروح القدس، قد صاروا قدوة حية تشهد أن الخطيئة ليست عائقاَ طالما يتبعها توبة، بل إن الروح قد يستخدمها لإشعال توبة أشد حرارة وقيامة أشد رسوخاَ.

لذا يقول يوحنا السينائى:

(لقد) طوبت اللذين سقطوا وناحوا أكثر من اللذين ما سقطوا ولا ناحوا

ولعلنا نجد فى سيرة موسى اللص وأغسطينوس الفيلسوف ومريم المصرية وتاييس الخاطئة، نماذج لقوة التوبة وقدرتها أن تجوز بالنفس جبال الخطيئة مهما تعالت، وتقتلع جذور الشر مهما توغلت فى قلب الإنسان. وهنا شهادتنا ليست شهادة لقدرات بشرية خاصة أو ملكات تميز بها هؤلاء عنا، ولكنها شهادة على قدرة الروح القدس غير المحدودة على انتزاع جديان اليسار وتحويلهم إلى حملان يجلسون عن يمين الآب. كما أن تلك الشهادة تمتد لتشهد لنا عن باب إلهى لا يُغلق أبداَ فى وجه طالبيه. تشهد على قلب متسع لكل البشرية يتناسى قُبح الماضى وقسوة الأيام السالفة، حينما تتوب النفس وترجع. إنها تشهد على صدق دعوة المسيح القائل: "من يُقبل إلي لا أُخرجه خارجاَ" (يو6: 37). كما تشهد ايضاَ عن ساعة متأخرة، قد تكون الحادية عشر، فيها يُنتشل الكثيرون من لهب الدينونة ليسكنوا على أنهار الروح، يرتشفوا من الحب الإلهى ويسكروا به.