نفرح بأسئلتكم وإقتراحاتكم على بريد الموقع
info@tibarthenos.net

الأستشهاد فى الحب

القمص تادرس يعقوب ملطي

ا

1

 

1

الاستشهاد و إن ارتبط فى أذهان الكثيرين بسفك الدم أو احتمال العذابات إلى الموت، لكن كيانه لا يستمد من المظهر . فالصليب تبرز قوته فى الحب الإلهى "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ..." (يو 3: 16). و هكذا الاستشهاد يتركز فيما يكنه قلب الشهيد من حب منسكب فيه بالروح القدس. حب نحو السيد المسيح، و حب نحو البشر حتى لمضطهديه من أجل ربنا يسوع الذى قدم ذاته لأجلهم.

فبقدر ما يتسع قلب الشهيد يلمع نجمه و يعظم إكليله.

أريد أن أردد مع الرسول بولس بأن كثيرين سفكت دمائهم و ليس لهم نصيب مع الشهداء، و لا حتى أى نصيب فى الحياة الأبدية: "و إن سلمت جسدى حتى أحترق، و لكن ليس لى محبة، فلا أنتفع شيئاً" (1كو 13: 3). و كثيرون لم تسفك دماؤهم يشاركون الشهداء أكاليلهم.

لست بذلك أقلل من شأن احتمال الشهداء للآلام، لكننى اود أن أؤكد أن هناك قوة جبارة دفعتهم لقبول الآلام و هى "الحب" هذا الذى جعلهم يتقدمون الصفوف بين القديسين.

لكننى أود أن أقول، إن هناك من كانت قلوبهم تلتهب حباً نحو الرب مثل الشهداء، و لم تتح لهم فرصة لسفك الدماء. مثال ذلك ما سجله لنا التاريخ عن عصر مزدهر بالرهبان تلى عصر الاستشهاد مباشرة، يوم لم تجد القلوب المُحبة فرصة لسفك دمائهم، فاشتاقوا إلى الموت الاختيارى لأجل الرب، فخرجوا جماعات جماعات، بلغوا عشرات الألوف يمارسون العشق الإلهى.

لهذا كان القديس مقاريوس الكبير يقول لزائريه: "تعالوا نزور مكان شهادة الغرباء الصغار أى مكسيموس و دوماديوس." حقا لقد وثبا إلى مرتبة الشهداء لأنهما و هما شابان وليا العهد، تركا الملك الأرضى، و عاشا فى أحضان النعمة أمواتاً عن العالم.

و إبراهيم أب الآباء، لم يذبح اسحق ابنه الوحيد الحبيب جسدياً، لكنه إذ أحب الرب إلى الدرجة التى قبل فيها ان يذبح ابنه محرقة له، و بدأ فى التنفيذ، حُسب إبراهيم مُقدماً له لأجل نيته الجدية العاملة.

و بولس الرسول عرف كيف يستشهد كل يوم، قائلاً: "من سيفصلنا عن محبة المسيح... من أجلك نمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (رو 8: 35- 36).

فالاستشهاد فى جوهره حب عميق متدفق فى داخل القلب، لأجله نبحث و نطلب باشتياق آلام و أتعاب من الخارج او الداخل. فإن كان وقت الاستشهاد قد مضى، لكن ما اكثر الصلبان التى يمكن للمؤمن أن يحملها: أسهار، أصوام، و أتعاب، و تحمل تجارب بلا تذمر، بل فى رضى و شكر و فرح.